السبت، 13 أغسطس، 2011

من مات بالإسكندرية فهو شهيد !!



وقال أحمد بن صالح : قال لى سفيان بن عُيينة : يا مصرى ، لأين تسكن ؟ قلت : أسكن الفسطاط ، قال أتأتى الإسكندرية ؟ قلتقال لى : تلك كنانة الله يحمل فيها خير سهامه : نعم ،

وقال عبد الله بن مرزوق الصدفى : لما نعى إلى ابن عمى خالد لن يزيد وكان توفى بالإسكندرية ، لقينى موسى بن عُلىّ بن رباح وعبد الله بن لهيعة والليث بن سعد متفرقين ، كلهم يقولون : أليس مات بالإسكندرية فأقول بلى فيقولون : هو حى عند الله يرزق ، ويجرى عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا ، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك

ومن عجائبها المنارة ، وطولها مائتان وثمانون ذراعًا ، وكان لها مرآة ترى فيها من يمر بالقسطنطينية

........

وبها السوارى والمسلتان ، وعجائبها وآثارها أكثر من ان تحصى ، حتى إن خليجها مبلط بالرخام من أوله إلى آخره ويوجد كذلك إلى اليوم

وقال الذين ينظرون فى الأعمار والأهوية والبلدان وترتب الأقاليم والأمصار ، لم تطل أعمار الناس فى بلد من البلدان كطولها بمريوط من كورة الإسكندرية ، ووداى فرغانة

من رسالة " فضائل مصر المحروسة "  - لابن الكندى

الثلاثاء، 9 أغسطس، 2011

ولدى نصحتك لما صوتى اتنبح



القصة ليست فى الجن والغيلان ولكن ما يقبل وما لا يقبل  ، فى المنطق والتفكير السليم
.....................................

وكان أبو إسحاق ( ابراهيم بن سيار النظام ) يقول فى الذى تذكر الأعراب من عزيف الجنان ( صوت الجن ) وتغول الغيلان : أصل الأمر وابتداؤه أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش عمِلت فيهم الوحشة . ومن انفرد وطال مقامه فى البلاد والخلاء والبعد من الإنس ، استوحش ، ولا سيما مع قلة الأشغال والمذاكرين 

والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمُنى أو التفكير ، والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة .ومن ابتلى بذلك غير حاسب ، كأبى يس ، ومثنى ولد القنافر

وخبرنى الأعمش أنه فكر فى مسألة ، فأنكر أهله عقله ، حتى حَمَوه وداوَوه

وقد عرض ذلك لكثير من الهند

وإذا استوحش الإنسان تمثل له الشئ الصغير فى صورة الكبير ، وارتاب وتفرق ذهنه ، وانتقضت أخلاطه ، فرأى ما لا يُرى ، وسمع ما لا يُسمع ، وتوهم على الشئ اليسير الحقير ، أنه عظيم جليل

ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعرًا تناشدوه ، وأحاديث توارثوها ، فازدادوا بذلك إيمانًا ، ونشأ عليه الناشئ ، وربى الطفل ، فصار أحدهم حين يتوسط الفيافى ، وتشتمل عليه الغيطان فى الليالى الحنادس ( جمع حندس وهى الشديدة الظلمة ) ، فعند أول وحشة وفزعة ، وعند صياح بومٍ ومجاوبة صدى ، وقد رأى كل باطل ، وتوهم كل زور ، وربما كان فى أصل الخلق والطبيعة كذابًا نفاجًا ( يفخر بالكذب ) ، وصاحب تشنيع وتهويل ، فيقول فى ذلك من الشعر على حسب هذه الصفة ، فعند ذلك يقول : رأيت الغيلان ، وكلمت السِّعلاة . ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول : قتلتها  ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول رافقتها ثم يتجاوز ذلك إلى  أن يقول تزوجتها

من كتاب "الحيوان " للجاحظ
تحقيق وتهذيب :عبد السلام هارون

الاثنين، 8 أغسطس، 2011

قال الإمام



وصى الإمام علىّ فى فراش الموت الحسنين فقال 
...................................

فقال : أوصيكما بتقوى الله ، والرغبة فى الآخرة، والزهد فى الدنيا ، ولا تأسفا على شئ فاتكما منهما ، واعملا الخير ، وكونا للظالم خصمًا وللمظلوم عونًا

ثم دعا محمدًا ( بن الحنفية ) وقال له : أما سمعت ما أوصيت به أخويك ؟ فقال : بلى ، قال : فإنى أوصيك به ، وعليك ببر أخويك ، وتوقيرهما ومعرفة فضلهما ، ولا تقطع أمرًا دونهما ، ثم أقبل عليهما فقال: أوصيكما به خيرًا ، فإنه أخوكما وابن أبيكما ، وانتما تعلمان أن أباكما كان يحبه فأحباه

ثم قال : يابنى أوصيكم بتقوى الله فى الغيب والشهادة ، وكلمة الحق فى الرضا والغضب ، والقصد فى الغنى والفقر ، والعدل فى الصديق والعدو ، والعمل فى النشاط والكسل ، والرضا عن الله فى الشدة والرخاء 

يابنى ، ما شر بعده الجنة بشر ، ولا خير بعده النار بخير ، وكل نعيم دون الجنة حقير ، وكل بلاء دون النار عافية

يابنى ، من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره ، ومن رضى بقسم الله لم يحزن على ما فاته ، ومن سل سيف البغى قتل به ، ومن حفر لأخيه بئرًا وقع فيها ، ومن هتك حجاب أخيه انكشفت عوارات بنيه ، ومن نسى خطيئته استعظم خطيئة غيره ، ومن أعجب برأيه ضل ، ومن استغنى بعقله زل ، ومن تكبر على الناس ذل ، ومن خالط الأنذال احتقر ، ومن جالس العلماء وقر ، ومن صحب صاحب السوء لم يسلم ، ومن صحب صاحبًا صالحًا يغنم ، ومن دخل مدخل السوء اتهم ، ومن لا يملك نفسه ندم ، ومن مزح استخف به ومن أكثر من شئ عرف به ، ومن كثر كلامه كثر خطؤه ، ومن كثر خطؤه قل حياؤه ، ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قل ورعه مات قلبه ، ومن مات قلبه دخل النار

يابنى ، الأدب خير ميراث ، وحسن الخلق خير قرين 

يابنى ، العافية عشرة أجزاء ، تسعة منها فى الصمت ، إلا عن ذكر الله ، وواحدة فى ترك مجالسة السفهاء

يابنى ، زينة الفقير الصبر ، وزينة الغنى الشكر 

يابنى ، لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا كرم أعلى من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا لباس أجمل من العافية ، الحرص مفتاح المقت ، ومطية النصب ، والتدبير قبل العمل يؤمنك الندم ، وبئس الزاد للمعاد العدوان على العباد ، وطوبى لمن أخلص لله علمه وعمله ، وحبه وبغضه ، وأخذه وتركه ، وكلامه وصمته ، وقوله وفعله

عن كتاب " سراج الملوك " للطرطوشى
من كتاب " من عيون التراث " - جمال بدوى


الأحد، 7 أغسطس، 2011

قاضيان




يحكى أن  إبنًا لشريح القاضى قال لأبيه :
إن بينى وبين قوم خصومة ، فانظر فى الأمر ، فإن كان الحق لى خاصمتهم ، وإن لم يكن لى الحق لم أخاصم

ثم قص قصته عليه فقال شُريح :
انطلق فخاصمهم

فانطلق إليهم فخاصمهم فقضى شريح على ابنه ، فقال ابنه له لما رجع إلى أهله :
والله لو لم أتقدم إليك بطلب النصح لم ألمك ،  فضحتنى !

فقال شريح :
يا بنى ، والله لأنت أحب إلى من ملء الأرض مثلهم ، ولكن الله هو أعز على منك ، خشيت أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم على مال فتذهب ببعض حقهم

من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد
.............................................................
 
قدّم إياس إبن معاوية   شيخًا إلى قاضى دمشق ، وكان إياس يومئذ غلامًا أمرد . 

فقال له القاضى :
ماتستحى تقدم شيخًا كبيرًا إلى القضاء ؟
قال إياس : الحق أكبر منه
قال : ما أظنك يا غلام إلا ظالمًا
قال : ما على ظنك خرجت من أهلى
قال : اسكت
قال : فمن ينطق بحجتى ؟
قال : ما أظنك تقول فى مجلسك هذا حقًا
قال : أشهد أن لا إله إلا الله

فبلغ ذلك الخليفة عبد الملك بن مروان ، فعزل القاضى وولاه وهو يومئذ غلام

من كتاب " المستجاد من فعلات الأجواد " للتنوخى 

القصتان نقلا عن كتاب ألف حكاية وحكاية من الادب العربى القديم – حسين أحمد أمين

الجمعة، 5 أغسطس، 2011

تسعة شروط





وأما الشروط التى يتوفر بها علم الطالب ، وينتهى معها كمال الراغب مع ما يلاحظ به من التوفيق ، ويمد به من المعونة فتسعة شروط :

الأول : العقل الذى يدرك به حقائق الأمور 

والثانى : الفطنة التى يتصور بها غوامض العلوم 

الثالث : الذكاء الذى يستقر به حفظ ما تصوره ، وفهم ما علمه

والرابع : الشهوة التى يدوم بها الطلب ، ولا يسرع إليها الملل

والخامس : الاكتفاء بمادة تغنية عن كف الطلب

والسادس : الفراغ الذى يكون معه التوفر ، ويحصل به الاستكثار

والسابع : عدم القواطع المذهلة ، من هموم وأشغال وأمراض 

والثامن : طول العمر ، واتساع المدة ، لينتهى بالاستكثار إلى مراتب الكمال

والتاسع : الظفر بعالم سمح  بعلمه ، متأن فى تعليمه 

فإذا استكمل هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب ، وأنجح متعلم .وقد قال الإسكندر : يحتاج طالب العلم إلى أربع : مدة ، وجدة ، وقريحة ، وشهوة ، تمامها الخامسة : معلم ناصح

من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردى

الخميس، 4 أغسطس، 2011

رأى حممة خرجت من ظلمة !



أحب فى هذه القصة لغتها وصيغة الكلام فيها ، يذكر أن شق سمى شق لأنه يروى أنه كان نصف انسان وأما سطيح فلأنه كان لا أعضاء له ولا عظم ، وإنما كان مثل السطحية ووجهه فى صدره ، وكان إذا غضب انتفخ وجلس


قال ابن اسحاق : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة ، فرأى رؤيا هالته وفظع بها ، فلم يدع كاهنا ، ولا ساحرا ، ولا عائفا ، ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه

فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها ، فأخبروني بها وبتأويلها
قالوا له : اقصصها علينا نخبرك بتأويلها
قال:  إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها ، فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها
فقال له رجل منهم : فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما ، فهما يخبرانه بما سأل عنه .

فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح قبل شق

فقال له إني رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها ، فأخبرني بها ، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها .
قال  أفعل . رأيت حممة ( قطعة نار ) خرجت من ظلمه فوقعت بأرض تهمه فأكلت منها كل ذات جمجمه
فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، ما عندك في تأويلها ؟
فقال   احلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش
 فقال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني هذا ، أم بعده ؟
 قال لا ، بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين
قال أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟
قال لا ، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين
 قال ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟
 قال يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن
 قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟
قال لا ، بل ينقطع .
قال ومن يقطعه ؟
قال نبي زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي
قال وممن هذا النبي ؟ .
قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر
 قال وهل للدهر من آخر ؟
 قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون
قال أحق ما تخبرني ؟
قال نعم . والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق .

ثم قدم عليه شق ، فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان

 فقال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة
فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا ، فما عندك في تأويلها ؟ .
قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان ، فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران .
فقال له الملك وأبيك يا شق ، إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني ، أم بعده ؟
 قال لا ، بل بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان .
قال ومن هذا العظيم الشأن ؟
 قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن فلا يترك أحدا منهم باليمن .
قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟
قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل
قال وما يوم الفصل ؟
 قال يوم تجزى فيه الولاة ويدعى فيه من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه بين الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات .
قال أحق ما تقول ؟ قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض .

قال ابن اسحاق : فوقع فى نفس ربيعة بن نصر ما قال له سطيح وشق فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق ، وسكنوا الحيرة.
ومن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر الذى كان نائبا على الحيرة لملوك الأكاسرة.

من سيرة ابن هشام

الأربعاء، 3 أغسطس، 2011

إحنا آسفين يا حجاج يا ثقفى !




كان لرجلٍ من المعتزلة جارٌ يرى رأى الخوارج ، كثير الصلاة والصيام ، حسن العبادة ، فقال المعتزلى لرجلين من أصحابه :
مرا بنا إلى هذا الرجل فنكلمه ، لعل الله يهديه من الضلالة

فأتوه وكلموه ، فأصغى إلى كلامهم ، فلما سكتوا لبس نعله ، وقام ومعه القوم حتى وقف على باب المسجد ، فرفع صوته بالقراءة ، واجتمع إليه الناس ، فقرأ ساعة حتى بكى الناس ثم وعظ فأحسن ، ثم ذكر الحجاج فقال :
أحرق المصاحف ، وهدم الكعبة ، وفعل وفعل ، فالعنوه لعنه الله 
فلعنه الناس ورفعوا أصواتهم

ثم قال :
يا قوم وما علينا من ذنوب الحجاج ومن ان يغفر الله له ولنا معه ، فإنا كلنا مذنبون . لقد كان الحجاج غيورًا على حُرم المسلمين ، تاركًا للغدر ، ضابطًا للسبيل عفيفًا عن المال ، لم يتَّخذ صنيعة ، ولم يكن له مال ، فما علينا أن نترحم عليه ، فإن الله رحيم يحب الراحمين

ثم رفع يده ، ودعا بالمغفرة للحجاج ، ورفع القوم أيديهم ،وارتفعت الأصوات بالاستغفار

فلما فرغ الخارجى وانصرف ، ضرب بيده منكب المعتزلى وقال
هل رأيت مثل هؤلاء القوم ؟ لعنوه واستغفروا له فى ساعة واحدة ! أ تنهى عن دماء أمثال هؤلاء ؟! والله لأجاهدنهم مع كل من أعاننى عليهم

من كتاب المحاسن والمساوئ لإبراهيم بن محمد البيهقى
عن كتاب ألف حكاية وحكاية من الأدب العربى القديم – حسين أحمد أمين

أجد نفسى مضطرًا أن أنبه على رفض العنف تجاه أى أحد ، رغم أن المفروض أن من البديهى أن ناقل الكفر ليس بكافر   

جوامع الكلم- الجاحظ



عاب النبى صلى الله عليه وسلم التشديق ، وجانب أصحاب التقعير ، واستعمل المبسوط فى موضع البسط والمقصور فى موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشى ورغب عن الهجين السوقى ، فلم ينطق إلا عن ميراث الحكمة ، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة ، وشِيد بالتاييد ويسر بالتوفيق ، وألقى الله عليه من المحبة وغشاه بالقبول ، وجمع له بين المهابة والحلاوة وبين حسن الإفهام والإيجاز ، ومع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته ، ولم تسقط له كلمة ولا زلت به قدم ، بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير ، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتج إلا بالصدق ، ولا يطلب الفلج إلا بالحق  ، ولا يتعين بالخلابة ولا يستعمل المؤاربة ، ولا يهمز ولا يلمز ، ولا يبطئ ولا يَعجل ، ولا يسهب ولا يحصر ، وما سمع كلامٌ قط اعم نفعًا ولا أصدق لفظًا ، ولا أعدل وزنًا ولا أجمل مذهبًا ، ولا اكرم مطلبًا ولا أحسن موقعًا ، ولا أسهل مخرجًا من كلامه صلى الله عليه وسلم

أبو عثمان الجاحظ
عن كتاب مختارات المنفلوطى

الاثنين، 1 أغسطس، 2011

فضائل مصر المحروسة

v



الفقرة المميزة بالخط الأسود محزنة  ، ويستحب الدعاء بعدها على حسنى مبارك ونظامه .......

وأما ذكر مصر  وفضلها على غيرها من الأمصار وما خصت به وأوثرت به على غيرها ، فروى أبو بصرة الغفارى قال : مصر خزانة الأرض كلها ، وسلطانها سلطان الأرض كلها ، قال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام
 قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
ولم تكن تلك الخزائن بغير مصر ،فأغاث الله بمصر وخزائنها كل حاضر وباد من جميع الأرض

وجعلها الله تعالى متوسطة الدنيا ، وهى فى الإقليم الثالث والرابع ، فسلمت من حر الإقليم الأول والثانى ، ومن برد الإقليم الخامس والسادس والسابع ، فطاب هواؤها ، ونقى جوها ، وضعف حرها ،وخف بردها ، وسلم أهلها من مشاتى الجبال ، ومصائف عُمان ، وصواعق تهامة ، ودماميل الجزيرة ، وعرق اليمن ، وطواعين الشام ، وغيلان العراق ، وعقارب عسكر مكرم ، وطلب البحرين ، وحمى خيبر ، وأمنوا من غارات الترك وجيوش الروم ، وطوائف العرب ، ومكائد الديلم ، وسرايا القرامطة ، وبثوق الأنهار ، وقحط الأمطار ، وقد اكتنفها معادن رزقها ؛ وقرب تصرفها ، فكثر خصبها ، ورغد عيشها ، ورخص سعرها

وقال سعيد بن أبى هلال : مصر أم البلاد وغوث العباد

وذكر أن مصر مصورة فى كتب الأوائل ، وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها

وقال عمرو بن العاص : ولا ية مصر جامعة ، تعدل الخلافة

وأجمع أهل المعرفة : أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها ، ويطلبون الرزق فيها وأهلها لا يطلبون الرزق فى غيرها ، ولا يسافرون إلى بلد سواها ، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا لغنى أهلها بنا فيها عن سائر بلاج الدنيا

وقال يحيى بن سعيد جلت البلاد فم رأيت الورع ببلد من البلدان أعرفه إلا بالمدينة ومصر
وقال خالد بن يزيد ، كان كعب الأحبار يقول : لولا رغبتى فى الشام لسكنت مصر ؛ فقيل : ولم يا أبا اسحاق ؟ قال  إن لأحب مصر وأهلها ، لأنها بلد معافة من الفتن ، وأهلها أهل عافية ، فهم بذلك يعافون ، ومن ارادها بسوء كبه اللله على وجهه ، وهو بلد مبارك لأهله فيه


 فضائل مصر المحروسة - ابن الكندى