الأربعاء، 21 سبتمبر، 2011

القمح زى الفلاحين





ربما لا أستطيع أن أتكلم عن الإضرابات بدقة ، ربما لا أستطيع أن أحدد أسبابها كلها أو حجمها أو تأثيرها ، لكننى مواطن يرى كثير من هذه الإضرابات والإعتصامات والمظاهرات من بعيد ويرى بعضها من قريب ويرى تأثير هذا وذاك فى كلام الناس وفى الإعلام ويتكون لديه رأيًا فى النهاية ، ومبدئيًا لابد أن أنوه أننى أتكلم عن الإضراب والاعتصام كخطوة تصعيد بعد خطوات أخرى تم اتخاذها

عندما أسمع الحديث عن الإنتاج منتقدًا الإضرابات ، أتذكر مطلع تلك القصيدة لصلاح جاهين ، فى البداية نشر جاهين عام 1951 قصيدة مطلعها :
 القمح زى الدهب ..
بينـادى شـرشرتك..
وزرعـة القطــن مسـتنيه منقـرتــك


 ثم نشر قصيدة أخرى مطلعها :

 القمح مش زى الدهب ..
القمح زى الفلاحين ..
عيدان طويلة جدرها بياكل فى طين ..

 نعم ،  القمح زى الفلاحين ، هذا واقعى بقدر ما هو مجازى

أى إنتاج ننتظره من هذا العامل وهذا الفلاح ؟  أى كفاءة ننتظرها من هذا المدرس وهذا الطبيب ؟  حال الإنتاج يشبه حال منتجيه ، لا ظروف العمل ولا نظام العمل ولا إدارة العمل ولا أجور العمل تجعلنا ننتظر إلا إنتاجًا كالأجنة المشوهة ، ولأعزف لحنك معك سأزيد أيضًا أن كل هؤلاء ربما ليسوا مؤهلين بما يكفى للإنتاج المطلوب ، حسنًا ؛ أنا أطلب البدء فى إصلاح كل هذه الأخطاء جميعًا ، و إذا كنا سنصل لإكمال هذا الإصلاح فى خمس خطوات مثلاً فأين هى الخطوة الأولى ؟ لا نرى شيئًا يفعل سوى المطالبة بالصبر والانتظار

لو حاولت أن تتابع بعض الإضرابات والاعتصامات التى حدثت وتحدث ستجد أن مطالبها هى حياة كريمة يضمنها أجر مناسب ( ويصرف ، لأن بعض الإضرابات نتيجة لتوقف صرف الأجور )  ، وعمل كريم بظروف ونظام عمل مناسبين ، وإدارة تعامل موظفيها باحترام ، والأخيرتين لا تحتاجان لموارد تحتاجان لإرادة فعلهم ، لاحظ أن أى إضراب أو اعتصام حتى يكون ناجحًا ومؤثرًا ومقلقًا للإدارة لابد وأن يجمع كتلة مؤثرة من الأفراد من الأفراد يؤثر إضرابها على مجريات العمل ، ولا يمكن جمع مثل هذه الكتلة إلا بمطالب مقبولة ومشروعة ، أو  كحد أدنى مطالب قابلة للمناقشة ، لأنه وببساطة لو أن غير ذلك ممكن لما استمر أى مكان فى العالم وليس فى مصر فقط فى العمل من توالى  الإضرابات المخبولة وذات الشطط ، كما أن أى فئة أو مجموعة تضرب لأجل مطامع لا مطالب سرعان ما تتضارب مطامعها وتتفكك

 من نطالب بالصبر على أوضاع البلد ؟ ، بالتأكيد ليس المحتجين على قيادات فاسدة أو فاشلة ، وبالتاكيد ليس المحتجين على نظم عمل وإدارة وظروف عمل فاسدة وفاشلة ، فنحن على مسافة ثمانية أشهر من الثورة ؛ وعلى مسافة عقود وعقود من نظم العمل الحديثة ، ربما هناك بعض الفئات التى تطالب بحقها الثابت فى أجور أعلى يمكن مطالبتها بالصبر ، ولكن الكثير من الإضرابات يقوم بها عمال وموظفين  أجورهم لا تكفى لجعل حياة أسرة تسمى حياة

 هل تذكر مشهد الديكتاتور محمد صبحى فى تخاريف عندما كان يكلم أحد أفراد الشعب – هانى رمزى – الذى كان يرتدى ملابس داخلية مهلهلة ، كان الديكتاتور يعنفه : ياولا البلد فى تقشف يا ولا يا تعيش يا بالنص الفوقانى يا التحتانى "  لقد رفضت الحكومة تطبيق الحد الأدنى من الأجور الذى يضمن حد أدنى من العيش ، هبطت به  إلى نصفه تقريبًا ، إنها تقول لمن تطعيهم هذا الراتب " موتوا قليلاً حتى نصلح الأمور " ، ورغم أنى أرى أن كون الحد الأقصى 36 ضعفًا للحد الأدنى هو أمر مقبول ومعقول ، وأنى لا أظن الحل يكمن فى هذه النقطة تحديدًا ، كنت سأتفهم أنه إذا كانت الموارد قليلة فعلاً إلى هذا الحد أن تقوم الحكومة بتقليص الحد الأقصى للأجور ، من يبلغ راتيه 25 ألف جنية شهرياً ويتقلص إلى 20 أو أو 15 ألف لن يجوع أو يبرد أو يعجز على اصطحاب ابنه لطبيب ، لكن أقل من الحد الأدنى فالأسر تجوع وتبرد وقد يموت الأبن المريض ، يمكنك أن تطالب الناس أن يكونوا أبطالاً ؛ ولكن لا يمكنك أن تطالبهم بأن يكونوا أنبياء

الأمر أيضًا فيه جزء نفسى ، يعود بنا إلى فكرة الإنتاج ومنتجيه ، الوضع السياسى غامض والمستقبل أكثر غموضًا وغياب لمؤسسة الأمن عن التواجد وغيرها من العوامل التى  تجعل الناس خائفة وقلقة ، يجعلها تبحث عن الأمان ، والشعور بالأمان  فى جزء منه – جزء كبير – أمان اقتصادى ، وإذا كنا نتحدث عن الإنتاج ونطالب الناس به ، فلابد أن توفر للناس الأمان بمختلف جوانبه ، فكما يقول ول ديورانت فى قصة الحضارة " هى تبدأ حيث ينتهى الاضطراب والقلق ، لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف ، تحررت فى نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء ، وبعدئذ لا تنفك حوافز الطبيعة تستنهضه للمضى فى طريقه إلى فهم الحياة وإزهارها "

إذا كانت موارد مصر محدودة ، إذا كانت حتى رغيف واحد ، فهذا لا يعنى ألا نقسّمه بالعدل ، ولنبدأ بتوفير حياة كريمة للجميع ثم لنمنح الباقى رفاهيةً لمن يستحق ، ولنبدأ فى هذا سريعًا لنبدأ – لا لنعاود - الإنتاج سريعًا حيث أننا ومنذ عقود فى الحالة التى وصفها المواطن للديكتاتور فى مسرحية تخاريف  " الناس كانت عاملة إضراب بطئ وسرى ، بتديهم قليل بيشتغلوا أأقل "