الجمعة، 5 أغسطس 2011

تسعة شروط





وأما الشروط التى يتوفر بها علم الطالب ، وينتهى معها كمال الراغب مع ما يلاحظ به من التوفيق ، ويمد به من المعونة فتسعة شروط :

الأول : العقل الذى يدرك به حقائق الأمور 

والثانى : الفطنة التى يتصور بها غوامض العلوم 

الثالث : الذكاء الذى يستقر به حفظ ما تصوره ، وفهم ما علمه

والرابع : الشهوة التى يدوم بها الطلب ، ولا يسرع إليها الملل

والخامس : الاكتفاء بمادة تغنية عن كف الطلب

والسادس : الفراغ الذى يكون معه التوفر ، ويحصل به الاستكثار

والسابع : عدم القواطع المذهلة ، من هموم وأشغال وأمراض 

والثامن : طول العمر ، واتساع المدة ، لينتهى بالاستكثار إلى مراتب الكمال

والتاسع : الظفر بعالم سمح  بعلمه ، متأن فى تعليمه 

فإذا استكمل هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب ، وأنجح متعلم .وقد قال الإسكندر : يحتاج طالب العلم إلى أربع : مدة ، وجدة ، وقريحة ، وشهوة ، تمامها الخامسة : معلم ناصح

من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردى

الخميس، 4 أغسطس 2011

رأى حممة خرجت من ظلمة !



أحب فى هذه القصة لغتها وصيغة الكلام فيها ، يذكر أن شق سمى شق لأنه يروى أنه كان نصف انسان وأما سطيح فلأنه كان لا أعضاء له ولا عظم ، وإنما كان مثل السطحية ووجهه فى صدره ، وكان إذا غضب انتفخ وجلس


قال ابن اسحاق : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة ، فرأى رؤيا هالته وفظع بها ، فلم يدع كاهنا ، ولا ساحرا ، ولا عائفا ، ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه

فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها ، فأخبروني بها وبتأويلها
قالوا له : اقصصها علينا نخبرك بتأويلها
قال:  إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها ، فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها
فقال له رجل منهم : فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما ، فهما يخبرانه بما سأل عنه .

فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح قبل شق

فقال له إني رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها ، فأخبرني بها ، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها .
قال  أفعل . رأيت حممة ( قطعة نار ) خرجت من ظلمه فوقعت بأرض تهمه فأكلت منها كل ذات جمجمه
فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، ما عندك في تأويلها ؟
فقال   احلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش
 فقال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني هذا ، أم بعده ؟
 قال لا ، بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين
قال أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟
قال لا ، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين
 قال ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟
 قال يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن
 قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟
قال لا ، بل ينقطع .
قال ومن يقطعه ؟
قال نبي زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي
قال وممن هذا النبي ؟ .
قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر
 قال وهل للدهر من آخر ؟
 قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون
قال أحق ما تخبرني ؟
قال نعم . والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق .

ثم قدم عليه شق ، فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان

 فقال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة
فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا ، فما عندك في تأويلها ؟ .
قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان ، فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران .
فقال له الملك وأبيك يا شق ، إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني ، أم بعده ؟
 قال لا ، بل بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان .
قال ومن هذا العظيم الشأن ؟
 قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن فلا يترك أحدا منهم باليمن .
قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟
قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل
قال وما يوم الفصل ؟
 قال يوم تجزى فيه الولاة ويدعى فيه من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه بين الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات .
قال أحق ما تقول ؟ قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض .

قال ابن اسحاق : فوقع فى نفس ربيعة بن نصر ما قال له سطيح وشق فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق ، وسكنوا الحيرة.
ومن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر الذى كان نائبا على الحيرة لملوك الأكاسرة.

من سيرة ابن هشام

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

إحنا آسفين يا حجاج يا ثقفى !




كان لرجلٍ من المعتزلة جارٌ يرى رأى الخوارج ، كثير الصلاة والصيام ، حسن العبادة ، فقال المعتزلى لرجلين من أصحابه :
مرا بنا إلى هذا الرجل فنكلمه ، لعل الله يهديه من الضلالة

فأتوه وكلموه ، فأصغى إلى كلامهم ، فلما سكتوا لبس نعله ، وقام ومعه القوم حتى وقف على باب المسجد ، فرفع صوته بالقراءة ، واجتمع إليه الناس ، فقرأ ساعة حتى بكى الناس ثم وعظ فأحسن ، ثم ذكر الحجاج فقال :
أحرق المصاحف ، وهدم الكعبة ، وفعل وفعل ، فالعنوه لعنه الله 
فلعنه الناس ورفعوا أصواتهم

ثم قال :
يا قوم وما علينا من ذنوب الحجاج ومن ان يغفر الله له ولنا معه ، فإنا كلنا مذنبون . لقد كان الحجاج غيورًا على حُرم المسلمين ، تاركًا للغدر ، ضابطًا للسبيل عفيفًا عن المال ، لم يتَّخذ صنيعة ، ولم يكن له مال ، فما علينا أن نترحم عليه ، فإن الله رحيم يحب الراحمين

ثم رفع يده ، ودعا بالمغفرة للحجاج ، ورفع القوم أيديهم ،وارتفعت الأصوات بالاستغفار

فلما فرغ الخارجى وانصرف ، ضرب بيده منكب المعتزلى وقال
هل رأيت مثل هؤلاء القوم ؟ لعنوه واستغفروا له فى ساعة واحدة ! أ تنهى عن دماء أمثال هؤلاء ؟! والله لأجاهدنهم مع كل من أعاننى عليهم

من كتاب المحاسن والمساوئ لإبراهيم بن محمد البيهقى
عن كتاب ألف حكاية وحكاية من الأدب العربى القديم – حسين أحمد أمين

أجد نفسى مضطرًا أن أنبه على رفض العنف تجاه أى أحد ، رغم أن المفروض أن من البديهى أن ناقل الكفر ليس بكافر   

جوامع الكلم- الجاحظ



عاب النبى صلى الله عليه وسلم التشديق ، وجانب أصحاب التقعير ، واستعمل المبسوط فى موضع البسط والمقصور فى موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشى ورغب عن الهجين السوقى ، فلم ينطق إلا عن ميراث الحكمة ، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة ، وشِيد بالتاييد ويسر بالتوفيق ، وألقى الله عليه من المحبة وغشاه بالقبول ، وجمع له بين المهابة والحلاوة وبين حسن الإفهام والإيجاز ، ومع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته ، ولم تسقط له كلمة ولا زلت به قدم ، بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير ، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتج إلا بالصدق ، ولا يطلب الفلج إلا بالحق  ، ولا يتعين بالخلابة ولا يستعمل المؤاربة ، ولا يهمز ولا يلمز ، ولا يبطئ ولا يَعجل ، ولا يسهب ولا يحصر ، وما سمع كلامٌ قط اعم نفعًا ولا أصدق لفظًا ، ولا أعدل وزنًا ولا أجمل مذهبًا ، ولا اكرم مطلبًا ولا أحسن موقعًا ، ولا أسهل مخرجًا من كلامه صلى الله عليه وسلم

أبو عثمان الجاحظ
عن كتاب مختارات المنفلوطى

الاثنين، 1 أغسطس 2011

فضائل مصر المحروسة

v



الفقرة المميزة بالخط الأسود محزنة  ، ويستحب الدعاء بعدها على حسنى مبارك ونظامه .......

وأما ذكر مصر  وفضلها على غيرها من الأمصار وما خصت به وأوثرت به على غيرها ، فروى أبو بصرة الغفارى قال : مصر خزانة الأرض كلها ، وسلطانها سلطان الأرض كلها ، قال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام
 قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
ولم تكن تلك الخزائن بغير مصر ،فأغاث الله بمصر وخزائنها كل حاضر وباد من جميع الأرض

وجعلها الله تعالى متوسطة الدنيا ، وهى فى الإقليم الثالث والرابع ، فسلمت من حر الإقليم الأول والثانى ، ومن برد الإقليم الخامس والسادس والسابع ، فطاب هواؤها ، ونقى جوها ، وضعف حرها ،وخف بردها ، وسلم أهلها من مشاتى الجبال ، ومصائف عُمان ، وصواعق تهامة ، ودماميل الجزيرة ، وعرق اليمن ، وطواعين الشام ، وغيلان العراق ، وعقارب عسكر مكرم ، وطلب البحرين ، وحمى خيبر ، وأمنوا من غارات الترك وجيوش الروم ، وطوائف العرب ، ومكائد الديلم ، وسرايا القرامطة ، وبثوق الأنهار ، وقحط الأمطار ، وقد اكتنفها معادن رزقها ؛ وقرب تصرفها ، فكثر خصبها ، ورغد عيشها ، ورخص سعرها

وقال سعيد بن أبى هلال : مصر أم البلاد وغوث العباد

وذكر أن مصر مصورة فى كتب الأوائل ، وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها

وقال عمرو بن العاص : ولا ية مصر جامعة ، تعدل الخلافة

وأجمع أهل المعرفة : أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها ، ويطلبون الرزق فيها وأهلها لا يطلبون الرزق فى غيرها ، ولا يسافرون إلى بلد سواها ، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا لغنى أهلها بنا فيها عن سائر بلاج الدنيا

وقال يحيى بن سعيد جلت البلاد فم رأيت الورع ببلد من البلدان أعرفه إلا بالمدينة ومصر
وقال خالد بن يزيد ، كان كعب الأحبار يقول : لولا رغبتى فى الشام لسكنت مصر ؛ فقيل : ولم يا أبا اسحاق ؟ قال  إن لأحب مصر وأهلها ، لأنها بلد معافة من الفتن ، وأهلها أهل عافية ، فهم بذلك يعافون ، ومن ارادها بسوء كبه اللله على وجهه ، وهو بلد مبارك لأهله فيه


 فضائل مصر المحروسة - ابن الكندى

الاثنين، 25 يوليو 2011

هبوط آمن



آآآآآآه

هذا الارتباك والاضطراب والقلق ، هذا الغضب والغيظ والملل ،هذا الخوف ، أصبحت ترى أشباح من اليأس والضعف  تحيط بك وتحاصرك ، وفى وسط كل هذا مازال لديك صوت من الأمل ينفض عنك كل هذا ، لا تضعف ..لا تيأس .. لا تخف .. لا تقلق  ، أرجوك اتبع هذا الصوت و تمسك بما يقول ، فمهما كانت الظروف ، مهما كان الموقف ، الأمل يفيدك واليأس لا يفيدك ، سينتصر المستقبل لمن احتفظ بثباته وشجاعته وأمله ، إذا ظننت أننا سننجو ؛ سننجو

علمانيون ، ومجلس عسكرى ، وقوى سياسية ، وفضائيات ، وإخوان ، ووزارة شرف ، ووثائق فوق دستورية ، وسلفيون ، ومحاكمات للنظام ، وليبراليون ، ونشطاء ، وداخلية ، وحركات ، ومحاكمات عسكرية ،و إعتصام ، وجرائد ، شكل عام من الفوضى و العشوائية ، الثورة تواجه ما كان فى حسبانها وما لم يكن

فى 2009 وقعت تلك الحادثة ، بصيغة أفضل فى 2009 حدثت تلك المعجزة ، كان هذا فى نيويورك عنما أبلغت  طائرة إيرباص  بعد ثوانى من إقلاعها بأنها واجهت سربًا من الطيور التى اصطدم بعضها بأحد المحركات ، لم يكن من الممكن العودة للمطار وليس هناك مطار أو ممر أو مكان للهبوط قريب بما يكفى ، أخبر الطيار برج المراقبة أنه سيهبط على نهر هدسون (!!) ، وطلب من الركاب الذين شاهدوا المحركات المشتعلة من النوافذ أن يستعدوا للاصطدام ، استدعى الطيار كل خبرته مفاديا طائرة شراعية والقوارب الراسية على جانب النهر وهبط على سطح المياة الباردة ، والنتيجة : هبوط ناجح بدون ضحايا على الإطلاق

خرج الركاب من الطائرة من أبواب الطوارئ ، كان الطيار هو أخر المغادرين بعد أن تأكد مرتين من أن الجميع غادروا ، وفى خلال دقائق وصلت قوارب الإنقاذ لانتشال الركاب الواقفين على أجنحة الطائرة ملامسين المياه التى تقترب حرارتها من الصفر ، وبعد لحظات كان الطيار يجلس على مقهى يشرب مشروبًا ساخنًا كأنه لم يفعل شيئًا مهمًا

تعرف الواقعة إعلاميًا بمعجزة على نهر هدسون ، وهو التعبير الذى استخدمه محافظ نيويورك ، والطائرة احتفظ بها لتصبح جزءًا من التراث الأمريكى ، كرم الطيار وتفاخر به كلا من بوش وأوباما وقدمت أوبرا حلقة عن الموضوع بالطبع

هذه ثورة موفقة إن شاء الله ، طيبة النوايا وإن ارتبك التعبير عنها ، سليمة الغرض حتى لو وقعت فى بعض الأخطاء ، قيادتها بيد من هو أفضل من الطيار الأمريكى ، لا تنظر إلى الأعلى ، انظر حولك ، قيادتها هى هذا الشعب الذى يستدعى خبراته وقت الأزمة ، هم أولئك المجهولون الذى ثاروا ثم شاهدوا آخرون فى الإعلام يتحدثون عن أنفسهم ، أولئك الذين يظهرون إلا عند الحاجة يخفى كل منهم وجهه ساجدا فى جمعة مليونية  فى الميدان ،  سننجو ، سنهبط بأمان وعلى الممر الذى نريد ، سنهبط بسلام من الله إن شاء ، وهو عند ظننا به ، فظنوا خيرًا ، ظنوا وطنًا أفضل 




الأربعاء، 13 يوليو 2011

تسعة عشر رجلاً غاضبًا



كيف يتخذ القرار فى المجلس العسكرى يا ترى ؟  البعض متأكد أن عسكرية المجلس تجعل ترتيب القيادة هو أسلوب اتخاذ القرار  وبالتالى القرار فعليًا بيد المشير ، البعض يرجح أن ربما هى الديمقراطية ببساطة عن طريق غالبية الأصوات ، شخصيًا أظن أن القرار لا يتخذ بالأغلبية بل بالتوافق ، حتى لا تخلق حساسيات واتجاهات سياسية داخل مجلس هو فى النهاية يدير مؤسسة عسكرية الاختلاف فى الرأى داخلها ترف خطير ، وربما كان هذا يفسر كثرة بالونات الاختبار ، والخبر ونفيه اللذان يصدران معًا ، نجرب رد الفعل على هذا فإن لم يكن فهذا وهكذا

وبالتأكيد أيًا كانت وسيلة اتخاذ القرار ، هناك مناقشات طويلة تدور بالمجلس ، مناقشات عن تعيين وعزل ومحاكمة وتطهير وموازنة وقوانين وتشريعات وانتخابات ، مناقشات لم يتخيل أعضاء المجلس التسعة عشر يومًا أن يخوضوها ، ولم يتوقع أى فرد منهم أن رأيه يومًا فيها سيكون مهمًا لهذه الدرجة ، مهمًا لمصير وطن

يذكرنى الأمر بفيلم أمريكى شهير جدًا ، الفيلم اسمه اثنا عشر رجلاً غاضبًا ، الاثنا عشر رجل هم هيئة محلفين فى قضية قتل ، أى هم من عليهم بعد أن استمعوا للشهود والمحامين والنيابة أن يقرروا إن كان المتهم مذنب أو غير مذنب ، لابد أن يكون القرار بالإجماع ، غير مذنب تعنى البراءة ، مذنب تعنى الإعدام ، وإن لم يجمعوا على رأى تحول القضية لدائرة أخرى ومحلفين جدد

القضية واضحة ، الأبن قتل ابيه ، يبدو القرار بسيطًا ، لكن الأمر لا يصبح كذلك ، يرى أحدهم أن عليهم أن يتناقشوا قليلاً قبل أن يقرروا موت أو حياة شخص ، يبدأ النقاش ولا ينتهى ، البعض متشكك من قراره ، البعض واثق جدًا ، احدهم متعاطف مع الشاب الفقير لأنه هو أيضًَا نشأ فقيرًا ، وأحدهم يرى فى الشاب ابنه العاق ويريد أن يعاقب فيه ابنه ، أحدهم يتأرجح فى رأيه ككرة البنج بونج ، بعضهم كل ما يهمه ان ينتهى الامر لأن لديه مشاغل ، يمر الوقت ، يتشعب النقاش ،يشعرون بالضغط ،  يزدادون حدة ، يزدادون عصبية ، يزدادون غضبًا ، لا مجال لإعادة سؤال  المتهم  ، لا مجال لإعادة استجواب الشهود ، ولابد أن يتخذوا قرارًا ، والقرار صعب ، مصيرى ، موت أو حياة

وحدهم ، شعر أعضاء المجلس أنهم وحدهم أمام مسئولية وطن تداعى كثير من جوانبه ، أمام ضغط خارجى وضغط داخلى ، أمام لعبة – حقيقة ً- لا يتقنونها ، أمام نخبة فسدت بفساد الوطن و اختلط فيها الغث بالسمين ، قوى سياسية اثبتت أنها لا تعبر عن الشارع ولا تؤثر فيه ، ، تضارب ومزايدة وشطط ومصالح ، وآخرون ينافقون  المجلس حفاظًا على مكاسب ما ، وهم عليهم أن يحولوا مطالب عامة إلى إجراءات وتعوزهم النصيحة الصادقة والدعم بالانتقاد ،  وتحت الضغط  يفلت التمسك بمظهر مدنى للفترة الانتقالية ، يغلب الطبع العسكرى على التطبع السياسى ، فنرى انفراد بالتشريعات وقرارات فوقية ومحاكمات عسكرية

الأولوية عند الجيش – ككل لا المجلس فقط – أن يحافظ على نفسه وعلى مؤسسته ، يريد أن يمر بأقل الاحتكاكات ، لا يريد صدامًا لا مع الأشرار ولا الطيبين ، هذا جيد ولكنه مستحيل ، هذه حسبه خاطئة ، الوطن كله اصطدم بما يفسده ، ولا يمكنه إلا أن يكمل ما بدأه ، وبما أنك قد أخذت جانب الثورة فعليك أن تتحمل مسئوليتك ، هذا ليس خيارًا ، وليس أمرًا قابلاً للتأجيل

ليس المجلس وحده من تراجعت أولوية مطالب الثورة لديه ، انشغل الجميع بحوارات معلقة بين السماء والأرض ، مدنية أم دينية ، ليبرالية أم إسلامية ، مرشحين لرئاسة جمهورية لا نعرف شكلها ، الدستور أولاً وكل أولاً جاءت بعده ، كلام يبدأ ولا ينتهى ، حتى صار من  مازالت مطالب الثورة أولوية لديهم قلة مندسة حقًا

كان الشارع هو النور الوحيد على الطريق ، فقط عندما يتحرك يلتفت الجميع ، وفجأة يتفق الجميع ، وعندما تصبح مئات الآلوف وأحيانًا  الملايين فى الشارع غاضبة من البطء ومن الأخطاء  ، يدرك المجلس المتردد المرتبك بعد تأخر أن هذا هو القرار ، فيخلع ما فى عنقه إلى عنق الثورة ،  الشعب قرر ،  الشعب يريد ، يقولها الشعب بلا وسيط ولا متحدث ولا إئتلاف ولا حزب